أفول اقتصاد المعرفة.. هل نحن على أعتاب حقبة جديدة؟
07:46 - 28 فبراير 2025
تشهد البشرية تحولاً جذرياً يغير ملامح الاقتصاد العالمي، حيث يتقدم الذكاء الاصطناعي بخطى ثابتة ليفرض نفسه كقوة مؤثرة في مختلف القطاعات. لطالما كان "اقتصاد المعرفة" هو الركيزة الأساسية للتقدم والازدهار، حيث تعتمد الشركات والمؤسسات على الخبرات والكفاءات البشرية لتحقيق أهدافها.
ولكن، مع القدرات الهائلة التي يتمتع بها الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات واتخاذ القرارات، يتبادر إلى الأذهان تساؤلات حاسمة حول مستقبل هذا الاقتصاد. هل نحن على أعتاب مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم المعرفة التقليدية؟ هل ستصبح الخوارزميات هي المحرك الرئيسي للاقتصاد العالمي، أم أن الإنسان سيظل هو القوة الدافعة للابتكار والإبداع؟
يعمل الذكاء الاصطناعي على تعطيل الصناعات والقوى العاملة العالمية، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى ظهور اقتصاد جديد تماماً، وعلى الرغم من أن فكرة الذكاء الاصطناعي تعود إلى منتصف القرن العشرين، إلا أن التكنولوجيا انطلقت إلى الخطاب العام بعد إطلاق روبوت الدردشة التوليدي للذكاء الاصطناعي من OpenAI، ChatGPT، في نوفمبر 2022، بحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن بي سي" الأميركية واطلعت عليه سكاي نيوز عربية.
وقال أنيش رامان، كبير مسؤولي الفرص الاقتصادية في "لينكد إن": "الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس مجرد اختراع آخر، إنه نقطة تحول، يجبرنا على إعادة التفكير ليس فقط في ماهية العمل، ولكن أيضاً في معنى أن تكون إنساناً في العمل".
وأوضح أنه "على غرار الثورة الصناعية، يدفعنا الذكاء الاصطناعي إلى عصر جديد، فقد كان العمل لقرون يتعلق بقدراتنا البدنية في المزارع، ثم مرة أخرى في المصانع، لقد كان العمل مرتبطاً بقدراتنا الفكرية فقط خلال العقدين الماضيين".
وأضاف: "الآن يثير صعود الذكاء الاصطناعي نقاشاً جديداً، إذا استحوذت الأتمتة على المزيد من المهام الجسدية واستولى الذكاء الاصطناعي على المزيد من المهام الفكرية، فسيتم تعريف البشر بقدراتهم الاجتماعية، إن اقتصاد المعرفة في طريقه إلى الزوال، وهناك اقتصاد جديد في طريقه إلينا نحن البشر في العمل، أنا أسميه اقتصاد الابتكار، وفي هذا العصر الجديد، سيكون الابتكار البشري ومهاراتنا البشرية الفريدة، مثل الذكاء الاجتماعي والعاطفي أمراً أساسياً".
وأشار إلى أن "المهارات مثل الإبداع والفضول والشجاعة والرحمة والتواصل - أو "الخمسة سي" - هي التي تدعم الابتكار، مما يسمح لنا بالتوصل إلى أفكار جديدة تتحدى الوضع الراهن، والتعاون، وفي النهاية البناء معاً".
الذكاء الاصطناعي يفتح المجال للابتكار
وصاغت ورقة بحثية للاقتصادي راج شيتي إلى جانب باحثين آخرين مصطلح "أينشتاين المفقودين" لوصف المبتكرين المحتملين الذين يحدهم وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، طبقاً لتقرير الشبكة الأميركية.
ووجدت الورقة البحثية، التي قارنت سجلات الضرائب والمقاطعات المدرسية لأكثر من مليون حامل براءة اختراع في الولايات المتحدة، أن الأطفال الذين ينتمي آباؤهم إلى أعلى 1 بالمئة من توزيع الدخل كانوا أكثر عرضة بعشر مرات لأن يصبحوا مخترعين من أطفال الآباء الذين يقل دخلهم عن المتوسط.
وهنا يشير، كبير مسؤولي الفرص الاقتصادية في "لينكد إن"، إلى أن "المكان الذي سيحدث فيه الذكاء الاصطناعي التأثير الأكبر هو في مساعدة الأشخاص الذين لديهم أفكار عظيمة واختراعات رائعة على إحياء تلك الأفكار أخيراً، فالتكنولوجيا لا تساعد فقط في أتمتة المهام الروتينية، بل يمكنها أيضاً أن تكون (لوحة صوتك، وشريكك المؤسس، ومبرمجك" وأكثر من ذلك".
ولطالما تم تصنيف القدرات والمعرفة الفنية على أنها "مهارات صعبة" بينما تم تصنيف القدرات الاجتماعية والعاطفية على أنها "مهارات ناعمة". وأضاف رامان أنه الآن، "مع قدرة الذكاء الاصطناعي على تكرار العديد من الجوانب الفكرية للعمل، أصبحت مهاراتنا البشرية المهارات الصعبة الجديدة، لذلك، فإن الفائزين في هذا العصر الجديد من العمل سيكونون أولئك الذين يميلون إلى التعلم والتكيف".
ويقول ما يقرب من 90 بالمئة من المديرين التنفيذيين من المستوى الرفيع أن تبني الذكاء الاصطناعي يمثل أولوية قصوى في عام 2025، وفقاً لبيانات "لينكد إن" التي تم جمعها من 1,991 مديراً تنفيذياً في تسع دول. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يقفز هذا الرقم إلى 94 بالمئة.
التحول الرقمي المتسارع يعيد هيكلة الاقتصاد
في حديث خاص لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" قال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد جميل الشبشيري: "لطالما كان اقتصاد المعرفة، القائم على الإبداع والابتكار والتكنولوجيا، يمثل اليوم نحو 7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، مع نمو سنوي يُقدر بحوالي 10بالمئة. وتشكل الصناعات القائمة على المعرفة، مثل البرمجيات، والخدمات المالية، والتكنولوجيا الحيوية، محركات رئيسية لهذا الاقتصاد، حيث يتمحور حول إنتاج المعرفة وتوزيعها واستخدامها كأهم مورد اقتصاد يعد محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي العالمي. ومع ذلك، فإن التحول الرقمي المتسارع يدفع باتجاه إعادة هيكلة هذا الاقتصاد، حيث أصبحت الخوارزميات والأنظمة الذكية تلعب دوراً متزايداً في إنتاج المعرفة وتحليلها".
وساق أمثلة عملية في مجالي التعليم والصحة، مشيراً إلى أنه في مجال التعليم تُستخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي لتخصيص المناهج الدراسية بناءً على احتياجات الطلاب الفردية، مما يحسن نتائج التعلم، كما تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض بدقة أعلى، مما يقلل من تكاليف العلاج ويحسن جودة الرعاية الصحية.
وذكر أنه وفقاً لدراسة أجرتها McKinsey & Company، يمكن أن يرفع الذكاء الاصطناعي إنتاجية الصناعات القائمة على المعرفة بنسبة تصل إلى 40 بالمئة، مما يعكس قدرته على تحسين الكفاءة. ومع ذلك، يطرح في الوقت ذاته مخاوف بشأن فقدان الوظائف التقليدية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على المهام الروتينية.
وفي حين أن الذكاء الاصطناعي يعد أداة قوية لتحسين جودة الحياة، إلا أن تأثيره يختلف بين الدول المتقدمة والنامية، بحسب الدكتور الشبشيري، الذي نوه إلى أن 70 بالمئة من الاقتصادات النامية قد تواجه تحديات في الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يزيد من الفجوة الرقمية بين الشمال والجنوب.
وبحسب تقرير S&P Global Market Intelligence، ينمو سوق الذكاء الاصطناعي بمعدل سنوي مركب قدره 49 بالمئة بين عامي 2023 و2028. فيما تشهد تطبيقات البيانات الاصطناعية معدل نمو أكبر يصل إلى 70 بالمئة. هذا التوسع السريع يثير مخاوف بشأن جودة المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، وحاجة الدول إلى إطار تنظيمي متوازن لضمان استخدامه بشكل آمن وعادل، طبقاً لما قاله الدكتور الشبشيري.
مستقبل اقتصاد المعرفة
ويرى الخبير الاقتصادي الشبشيري، أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد اقتصاد المعرفة، بل يعيد تشكيله ليصبح أكثر كفاءة. ويتطلب ذلك سياسات واضحة لضمان تحقيق التوازن بين الابتكار والعدالة الاجتماعية، لافتاً إلى أن نجاح هذه المرحلة يعتمد على التنظيم الفعّال، وإعادة تأهيل القوى العاملة، وضمان وصول التقنيات الحديثة إلى جميع المجتمعات بشكل عادل.
ولكن الشبشيري أشار في هذا السياق إلى أن الدور الأهم الآن هو دور الحكومات والذي يتجلى فيما يلي:
- تعزيز التعاون الدولي: يجب أن تعمل الحكومات والمنظمات الدولية معاً لسد الفجوة الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية.
- إعادة تأهيل القوى العاملة: يجب أن تركز الحكومات على برامج التدريب لتعزيز مهارات العمال في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
- تطوير إطار تنظيمي: يجب أن تعمل الدول على وضع تشريعات تحمي حقوق الملكية الفكرية وتضمن استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي.
وختم بقوله: "هل نحن مستعدون لمواجهة هذه التحديات، أم أن الاقتصاد العالمي يتجه نحو حقبة من التفاوتات الرقمية المتزايدة؟ الإجابة تعتمد على مدى سرعة وقدرة العالم على التكيف مع هذه التحولات الجذرية".
فصل الذكاء الاصطناعي عن اقتصاد المعرفة ليس منطقياً
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي، الدكتور عماد الدين المصبح، أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "إن اعتبار (مهارة حل المشكلات المعقدة) الضمانة البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي هو تصور محدود، والواقع أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة خارجية لاقتصاد المعرفة، بل هو جزء لا يتجزأ منه، بل ربما يمثل تحولاً جذرياً يتجاوز هذا الاقتصاد نفسه".
وأشار الدكتور المصبح إلى أن اقتصاد المعرفة، الذي يعتمد على المعرفة كعنصر إنتاج أساسي، يشهد تغيراً جوهرياً مع ظهور الذكاء الاصطناعي، فالذكاء الاصطناعي لم يعد دوره يقتصر على دعم المعرفة البشرية، بل أصبح نظاماً مستقلاً قادراً على إنتاج المعرفة وتقديم حلول مبتكرة. وبالتالي، فإن فصل الذكاء الاصطناعي عن اقتصاد المعرفة لم يعد أمراً منطقياً.
وأضاف: "وهنا يثار تساؤل هام: هل يمثل الذكاء الاصطناعي نهاية لاقتصاد المعرفة التقليدي الذي يعتمد على المعرفة البشرية؟ قد تكون الإجابة بالإيجاب، بمعنى أن الذكاء الاصطناعي يضع المعرفة في أيدي الخوارزميات، مما يغير طبيعة المعرفة ودورنا فيها".
وأكد الخبير الاقتصادي المصبح أن هذا لا يعني انتهاء دور العقول البشرية، بل يتطلب التركيز على مهارات جديدة مثل التفكير النقدي المتقدم لتقييم المعرفة التي تنتجها الخوارزميات، بالإضافة إلى تعزيز المهارات الأخلاقية وفهم التأثيرات المترتبة على تطور الذكاء الاصطناعي.
ويرى أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديداً لاقتصاد المعرفة، بل يشكل تحولاً جذرياً فيه، وربما يمهد لعصر جديد يتجاوز اقتصاد المعرفة التقليدي. وشدد على أن هذا التحول يفرض إعادة تعريف دور الإنسان في عالم تزداد فيه هيمنة الخوارزميات، مع ضرورة توجيه الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول وأخلاقي لتحقيق أقصى استفادة ممكنة من إمكانياته.