هل تدفع شركات السيارات العالمية ثمن الحمائية الأميركية؟
10:30 - 29 مارس 2025تفرض السياسات التجارية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، واقعاً معقداً على صناعة السيارات العالمية، إذ أثارت التعرفات الجديدة بنسبة 25 بالمئة على السيارات المستوردة جدلاً واسعًا بين المصنعين والمحللين الاقتصاديين. يأتي هذا القرار وسط تصاعد النزعة الحمائية في الاقتصاد الأميركي، ما يطرح تساؤلات حول تأثيراته المحتملة على الأسعار، والإنتاج، وسلاسل التوريد في أكبر سوق للسيارات عالمياً.
يواجه قطاع السيارات تداعيات مزدوجة، إذ تُهدد هذه الرسوم برفع تكاليف التصنيع، وإعادة تشكيل خريطة الإنتاج والتوريد في الشركات الكبرى، بما فيها الأميركية، التي تعتمد على مكونات مستوردة بشكل كبير. وفي حين تتجه بعض الشركات إلى البحث عن استراتيجيات لتخفيف الخسائر، تبرز مخاوف من تراجع المبيعات وارتفاع الأسعار بشكل قد يُضعف القدرة الشرائية للمستهلك الأميركي، ويؤثر سلباً على الاستثمارات داخل القطاع.
جدل واسع
ويشير تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية:
- أثار إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مساء الأربعاء عن أنه سيفرض تعرفات جمركية بنسبة 25 بالمئة على واردات السيارات المصنعة في الخارج، جدلا واسعا لفهم تفاصيل السياسة وتحديد الإعفاءات المحتملة التي يمكن أن تخفف من الضربة التي تتعرض لها الصناعة.
- أصبحت صناعة السيارات العالمية في حالة من الاضطراب؛ بسبب نظام التعرفات الجمركية "القاسي" الجديد الذي فرضه دونالد ترامب.
- يتوقع المسؤولون التنفيذيون في صناعة السيارات أنه سيرفع أسعار السيارات الأميركية، ويخفض إنتاج السيارات الأميركية، ويكلف شركات صناعة السيارات ما يصل إلى 110 مليار دولار.
- أصبح من الواضح أن جميع شركات صناعة السيارات، بما في ذلك تيسلا والشركات الأميركية الثلاث الكبرى (جنرال موتورز وفورد وستيلانتس) ستتأثر.
- قال أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في شركة أوروبية لصناعة السيارات: "جميعنا في موقف واحد".
موقف صعب
بدوره، يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إن:
- قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 بالمئة على السيارات المستوردة، يضع شركات السيارات الأوروبية في موقف صعب.
- يهدد ذلك القرار الشركات بتكبّدها خسائر كبيرة على المدى القريب والبعيد.
- أسهم كبرى الشركات تأثرت فورياً بالقرار، بما في ذلك أسهم فولكس فاغن وستيلانتيس.
- تنعكس آثار تلك الرسوم على الأسعار في السوق الأميركية نفسها، ومن المتوقع أن تكون هناك زيادات بين 3,000 إلى 12,000 دولار لكل سيارة، ما سيؤدي إلى ضعف تنافسية السيارات الأوروبية أمام نظيراتها المحلية أو القادمة من دول غير مشمولة بالرسوم.
- كما أن شركات السيارات الأوروبية قد تخسر ما يصل إلى 17 بالمئة من أرباحها السنوية وفق بضع التقديرات، نتيجة هذه الإجراءات، في وقتٍ تشهد فيه سلاسل التوريد العالمية اضطراباً متزايداً.
يتم استيراد ما يقرب من نصف المركبات المباعة في الولايات المتحدة، في حين أن المركبات المجمعة في الولايات المتحدة تحصل في المتوسط على ما يقرب من 60 بالمئة من أجزائها من الخارج.
110 مليارات دولار
- وفق شركة بيرنشتاين، فإن الرسوم الجمركية قد تُحمّل شركات صناعة السيارات تكاليف سنوية تصل إلى 110 مليارات دولار.
- وستُضاف هذه الضريبة البالغة 25 بالمئة إلى الرسوم الجمركية التي أعلنها ترامب بالفعل على الواردات من المكسيك وكندا والصين.
- ستدخل هذه الرسوم حيز التنفيذ اعتباراً من 2 أبريل، إلى جانب رسوم متبادلة على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، ومن المتوقع الكشف عنها في اليوم نفسه.
وقدر بنك أوف أميركا أن أسعار بعض المركبات قد ترتفع بما يصل إلى 10 آلاف دولار، وأن مبيعات السيارات الأميركية قد تتراجع بما يصل إلى ثلاثة ملايين سيارة، أو ما يقرب من خمس مبيعات العام الماضي التي بلغت 15.9 مليون سيارة.
ويشير الخفاجي إلى أن هذه التدابير الأميركية قد تدفع عدداً من الشركات إلى نقل خطوط إنتاجها إلى داخل الولايات المتحدة؛ لتجنب الرسوم وتقليل الخسائر، وهو ما ستكون له انعكاسات بعيدة المدى على اقتصادات العديد من الدول، خصوصاً تلك التي تعتمد بشكل كبير على قطاع تصنيع السيارات كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني.
ويلفت الخفاجي إلى أن هذا التحول يعكس مدى تأثير القرارات الحمائية على التجارة الدولية ويكشف هشاشة الاعتماد المفرط على سلاسل توريد عابرة للقارات في بيئة سياسية متقلبة.
وتوقعت شركة أبحاث السوق "كوكس أوتوموتيف" أنه في حالة تطبيق الرسوم الجمركية الأسبوع المقبل، فإن الارتباك في سلسلة التوريد من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل إنتاج المركبات في أميركا الشمالية بحلول منتصف أبريل ، مما يؤدي إلى إنتاج مصانع الولايات المتحدة 20 ألف مركبة أقل يوميا، أو نحو 30 بالمئة أقل من الآن.
أزمة
من جانبه، يشير مستشار المركز العربي للدراسات، أبوبكر الديب، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إلى التراجعات التي شهدتها أسهم كبرى شركات صناعة السيارات الأوروبية بعد الإعلان عن رسوم ترامب الجمركية على السيارات غير المصنوعة في الولايات المتحدة بنسبة 25 بالمئة، مشيراً إلى أن الأزمة تكمن في اعتماد السوق الأميركية بنسبة كبيرة على السيارات المستوردة، مما يجعل تداعيات هذه الرسوم طويلة المدى على الصناعة العالمية.
ويضيف: "تُعد الشركات الألمانية من بين أكبر الخاسرين المحتملين، بينما تواجه اليابان – التي تُعد أحد أضخم مصدري السيارات عالمياً – تهديداً مباشراً؛ إذ تمثل السوق الأميركية وجهة رئيسية لعمالقة القطاع مثل تويوتا هوندا نيسان ومازدا، وسوبارو.. ومع اقتراب الموعد النهائي لتطبيق الرسوم في أبريل، تتأهب اليابان لضربة قد لا تقتصر تداعياتها على أرباح شركاتها الكبرى فحسب، بل قد تمتد إلى الاقتصاد الوطني برمّته".
وبحسب تقرير الصحيفة البريطانية، فمن المرجح أن تتأثر شركات السيارات اليابانية بشدة، حيث أرسلت ما يقرب من 1.4 مليون سيارة بقيمة 40 مليار دولار إلى الولايات المتحدة في عام 2024، وهو أكبر عدد من أي دولة بعد المكسيك - حيث تحتل المرتبة الأولى في الإنتاج.
ويرى المحللون على نطاق واسع أن مازدا وسوبارو هما الأكثر عرضة للخطر بسبب اعتمادهما الكبير على المحتوى الذي يتم الحصول عليه من خارج الولايات المتحدة للسيارات المجمعة في الولايات المتحدة، في حين لا تقوم شركة ميتسوبيشي موتورز بالتصنيع في الولايات المتحدة.
في هذا السياق، تسارع شركات السيارات العالمية إلى شحن المركبات والمكونات الأساسية إلى الولايات المتحدة، في محاولة لتجنب التداعيات السلبية المحتملة للرسوم الجمركية الجديدة، التي تهدد بإحداث اضطرابات كبيرة في سلاسل التوريد الخاصة بصناعة السيارات.
ويشدد الديب على أنه من شأن هذه التعرفات أن تزيد من تكاليف الإنتاج والبيع في الولايات المتحدة، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع أسعار السيارات، مع تقلّص خيارات المستهلكين، فضلًا عن تهديد الوظائف في قطاع الصناعات التحويلية.
سلاسل توريد معقدة
وتعتمد صناعة السيارات الأميركية على سلاسل توريد معقدة تشمل مكونات مستوردة من الصين، والمكسيك، وكندا، وبالتالي فإن فرض رسوم جمركية على هذه الواردات سيؤدي حتماً إلى ارتفاع تكاليف التصنيع، ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار المركبات الجديدة في السوق الأميركية.
وفي السياق، نقل تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية، تحذيرات محللين في وول ستريت من أن الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على السيارات قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمشترين الأميركيين للسيارات المصنعة محليا وأجنبيا.
فيما أشار البعض إلى أن شركة تسلا المملوكة لإيلون ماسك هي الأكثر تحصينا من الضرر المحتمل الذي قد تنجم عن الرسوم الجمركية، وذلك بسبب إنتاجها المحلي.
وقد ترتفع الأسعار التي يدفعها المستهلكون في السوق بما يتراوح بين 4 آلاف إلى 15 ألف دولار لكل مركبة، وذلك بحسب كمية السيارة المستوردة، بحسب تقديرات العديد من المحللين.
- كتب المحلل دانييل رويسكا من شركة بيرنشتاين: "إن خطوة ترامب تمثل اضطراباً عميقاً في نموذج صناعة السيارات العالمية". وقدَّرَ التأثير غير المخفف للرسوم الجمركية على مستوى القطاع بنحو 6700 دولار لكل مركبة.
- حذر ريك باترسون من شركة لوب كابيتال المستهلكين من أنه ينبغي عليهم الاستعداد لصدمة الأسعار مع ارتفاع أسعار السيارات المستوردة بنسبة تصل إلى 25 بالمئة، وحتى أن بعض الشركات المصنعة المحلية ترفع الأسعار "تحت هذه المظلة الأعلى".
- وقدر رونالد جيوزيكوف من جوجنهايم ارتفاع تكلفة المركبات بما يتراوح بين 6 آلاف و7 آلاف دولار لكل وحدة، مضيفاً أن "زيادات الأسعار الفعلية للمستهلك اللازمة لتعويض التعريفة الجمركية من المرجح أن تكون أعلى".
تأثيرات مزدوجة
خبير الشؤون الأوروبية، محمد رجائي بركات، يقول لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- "إن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركية على السيارات الأوروبية المستوردة إلى الولايات المتحدة سيؤدي إلى انخفاض في عدد وحجم مبيعات السيارات داخل السوق الأميركية، نتيجة ارتفاع أسعارها مقارنة بأسعار السيارات المصنعة محليًا في الولايات المتحدة."
- "هذا القرار ستكون له تبعات سلبية على قطاع تصنيع السيارات في أوروبا، حيث سيؤدي إلى تراجع حجم الإنتاج داخل المصانع الأوروبية، التي تواجه أصلًا تحديات كبيرة نتيجة المنافسة الشديدة من السيارات الصينية."
- "هذه الإجراءات قد تتسبب بمشاكل اقتصادية كبيرة للعديد من الدول الأوروبية، حيث بدأت بعض الشركات الكبرى، مثل فولكسفاجن، بإغلاق مصانع لها في دول مختلفة، كبلجيكا، حيث تم مؤخراً إغلاق أحد أكبر مصانع السيارات الألمانية، مما أدى إلى فقدان عدد كبير من العمال والموظفين لوظائفهم، وتم إدراجهم ضمن أنظمة البطالة."