هل تتمكن تعرفات ترامب من صد التسونامي الصناعي الصيني؟
04:59 - 09 أبريل 2025
يتساءل كثيرون عن الدوافع التي تقف وراء التصعيد المتواصل من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه الصناعة الصينية، والذي يتجلى باستهداف السلع القادمة من بكين بسلسلة من الرسوم الجمركية القاسية.
وفي الواقع، فإن السياسة التي يتعمدها ترامب لم تأتِ من فراغ، بل جاءت في سياق مدروس تهدف من خلاله الولايات المتحدة إلى كبح تمدد التسونامي الصناعي الصيني، الذي جاء بشكل رئيسي على حسابها وحساب قوى صناعية عريقة أخرى حول العالم.
فعلى مدار العقدين الماضيين، حققت الصين طفرة غير مسبوقة في قطاع التصنيع العالمي، حيث ارتفعت حصتها في هذا القطاع من 6 بالمئة في عام 2000 إلى حوالي 32 بالمئة اليوم، وهذه الزيادة الكبيرة جعلت المصانع الصينية تتفوق في قدرتها الإنتاجية، على مجمل ما تنتجه الدول الصناعية الكبرى مجتمعة، بما في ذلك الولايات المتحدة، ألمانيا، اليابان، كوريا الجنوبية، وبريطانيا.
توسّع مدعوم من الدولة
ورغم التقدم الذي تحققه الصين في قطاع التصنيع العالمي، إلا أنها لا تزال تسعى إلى توسيع حصتها في هذا المجال، وبسط نفوذها عبر ضخ استثمارات هائلة لتطوير القطاع الصناعي في البلاد، ما يُهدد بإغلاق المصانع وتسريح العمال، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في جميع أنحاء العالم.
وبحسب تقرير أعدته "نيويورك تايمز" واطلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن السلطات الصينية وبعد أزمة العقارات الأخيرة التي ضربت البلاد، طلبت من المصارف تحويل عمليات الإقراض من القطاع العقاري إلى القطاع الصناعي، حيث تُظهر البيانات الحديثة للبنك المركزي الصيني أن البنوك الخاضعة لسيطرة الدولة قد أقرضت 1.9 تريليون دولار إضافية للمقترضين الصناعيين، على مدار سنوات الأربع الماضية، كما تُظهر البيانات الصينية أنه مع الإتجاه إلى بدء تشغيل مصانع جديدة في البلاد، ارتفع مُعدل تركيب المعدات الصناعية الحديثة بنسبة 18 بالمئة هذا العام.
أميركا ليست المنزعجة الوحيدة
وكانت الرسوم الجمركية الباهظة بنسبة 34 بالمئة التي أعلن عنها الرئيس دونالد ترامب يوم الأربعاء الماضي، هي الرد الأكثر صرامة حتى الآن على التقدم الذي يحققه قطاع التصنيع الصيني، ولا يزال من غير المؤكد كيف سيتطور النهج الصارم الذي يعتمده الرئيس ترامب تجاه صادرات الصناعة الصينية.
ولكن التصعيد تجاه تمدد الصناعة الصينية لا يقتصر فقط على أميركا، حيث تحركت العديد من الدول في السابق، ولكن بهدوء لزيادة الرسوم الجمركية على البضائع الصينية، وأبرزها ما قام به الاتحاد الأوروبي حين فرض في أكتوبر الماضي تعرفات جمركية تصل إلى 45 بالمئة على السيارات الكهربائية القادمة من الصين، في حين يُكافح عدد من قادة العالم لإتخاذ قرار بشأن ما إذا كانوا سيرفعون الحواجز التجارية، لحماية ما تبقى من القطاعات الصناعية في بلدانهم أمام التسونامي الصيني.
وبالنسبة للكثير من الدول في العالم، يُموّل الإقراض الذي توفره البنوك الحكومية الصينية، طفرةً في البحث والتطوير لدى الشركات الصينية التي تتوسع بشكل سريع وهائل، فمثلاً ولعقود من الزمن، كان أكبر مصنع للسيارات في العالم هو مجمع فولكس فاغن في فولفسبورغ، في ألمانيا، ولكن شركة صناعة السيارات الكهربائية الصينية بي واي دي، تقوم حالياً ببناء مصنعين في الصين، كل منهما قادر على إنتاج ضعف عدد السيارات التي ينتجها مصنع فولكس فاغن في فولفسبورغ.
بدورها افتتحت هواوي، مركزاً بحثياً في شنغهاي يضم 35 ألف مهندس، ويتسع لعشرة أضعاف مساحة المكاتب والمختبرات التي يضمها مقر غوغل في ماونتن فيو، كاليفورنيا.
علاج طال انتظاره
ويرى الممثل التجاري للولايات المتحدة خلال ولاية ترامب الأولى، روبرت إي. لايتهايزر، أن الرسوم الجمركية الأميركية الأخيرة "هي علاج طال انتظاره"، فالسبب الجذري الحقيقي للتقدم الذي تحققه الصناعة الصينية، هو عقود من سياسة بكين، التي خلقت فائضاً هائلاً في الطاقة الإنتاجية وتسببت باختلالات عالمية، في حين قالت كاثرين تاي، الممثلة التجارية للولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق جو بايدن إن "الكارثة قادمة للجميع".
هل تصد التعرفات التسونامي الصناعي الصيني؟
يقول المحلل الاقتصادي جوزف زغبي، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إنه لا يمكن إيقاف التمدد الصناعي الصيني بمجرد فرض رسوم جمركية، فما تحققه الصناعة الصينية في الوقت الراهن هو نتيجة عقود من التخطيط والاستثمار، في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا، ولذلك فإن الحل لا يكون في صدّ الصين، بل في استعادة التوازن معها، مشيراً إلى أنه على أميركا والدول الأخرى في أوروبا، أن تُعيد النظر في سياساتها الصناعية، وأن تتبنّى استراتيجيات مشابهة للاستراتيجيات الصينية، التي تقوم على دعم البحث والتطوير وتقديم حوافز للابتكار وتوفير تمويل، كما أن البيروقراطية التي تعاني منها أميركا وأوروبا في مجال التصنيع تعتبر "قاتلة" لهذا القطاع.
فجوة زمنية وتنظيمية
ويشرح الزغبي أن أحد الأسباب الجوهرية وراء التقدّم الصناعي الصيني السريع، هو الفجوة الزمنية والتنظيمية بينها وبين الغرب، وخصوصاً من حيث البيروقراطية، ففي الولايات المتحدة وأوروبا، قد يستغرق إقامة مصنع جديد من 5 إلى 10 سنوات بسبب التعقيدات التنظيمية، أما في الصين فقد رأينا مصانع ضخمة تُبنى وتدخل الإنتاج الكامل خلال أقل من 12 شهراً، وهذا التأخير يعني أن أوروبا وأميركا ورغم امتلاكهما للتكنولوجيا والمهارات، لا تستطيعان مجاراة السرعة الصينية دون المرور بعمليات تشريعية طويلة، أصبحت بالفعل "قاتلة" للتطور الصناعي السريع، ولذلك فإن تغيير هذا المسار يحتاج إلى إعادة هيكلة جذرية في القوانين والتشريعات.
مواجهة غير متكافئة
وشدد الزغبي على أن حماية الأسواق الأميركية من الإغراق الصناعي الصيني، يحتاج لإعادة ترتيب الأولويات قبل فوات الأوان، فالشركات الصناعية الخاصة في أميركا، تعتمد بشكل كبير على السوق وليس على خطط حكومية مثلما يحدث في الصين، وهذا ما يجعل المواجهة بين الطرفين غير متكافئة حتى الآن، حيث تستخدم بكين كل أدوات الدولة لتسريع صناعاتها والي تشمل توفير دعم غير محدود من البنوك الحكومية، في حين ترد واشنطن بفرض رسوم جمركية يكون مفعولها مؤقت.
نقطة ضعف الصين
من جهته يقول المحلل الاقتصادي محمد الحسن، حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن نقطة ضعف الصين تتمثل في حاجتها الضرورية لتصدير بضائعها للخارج، فالشعب الصيني لا يشتري إلا القليل، ومن هنا فإن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب من الممكن جداً أن تعيق نمو الصناعة الصينية مع تراجع صادرات البلاد، وتحديداً إلى السوق الأميركية التي تعتبر أكبر سوق إستهلاكية في العالم، كاشفاً أن الإنفاق الاستهلاكي في أميركا يشكل نحو 68 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أن الإنفاق الاستهلاكي في الصين يشكل ما بين 38 إلى 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا ما يدركه جيداً دونالد ترامب الذي يعلم مدى حاجة الصين للمستهلك الأميركي حتى تتمكن صناعتها من التقدم.
معضلة الاقتصاد الصيني
ويرى الحسن أن أحد الأسباب الجوهرية لضعف الاستهلاك المحلي في الصين، هو تآكل القدرة الشرائية للمواطنين هناك، خصوصاً بعد انهيار سوق الإسكان عام 2021، حيث شهدنا استنزافاً كبيراً لمدخرات الطبقة المتوسطة، مما قلّص بشكل مباشر من معدلات الإنفاق المحلي، أضف إلى ذلك الحد الأدنى للمعاش التقاعدي الذي يتقاضاه العاملون في القطاع العام والذي لا يتجاوز 17 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ بالكاد يغطي تكلفة البقالة، مشيراً إلى أن الحكومة الصينية تجاهلت مطالب عدد من الاقتصاديين المحليين برفع الحد الأدنى للمعاش التقاعدي إلى 110 دولارات شهرياً، وعندما صدرت الميزانية الجديدة في مارس 2025، اكتفت بزيادة قدرها 3 دولارات فقط، ليصل المعاش إلى 20 دولاراً شهرياً، ما يُظهر عدم جدية واضحة في معالجة ضعف الاستهلاك المحلي.
ويكشف الحسن أنه في المقابل خصصت الحكومة الصينية في الميزانية الجديدة، نحو 100 مليار دولار لتوسيع البنية التحتية الداعمة للصادرات، مثل الموانئ وشبكات النقل الصناعي، وهذا يُشير إلى أن بكين ما زالت تُراهن على نموذج النمو القائم على التصدير، بدلاً من إعادة التوازن عبر تحفيز السوق الداخلية، في الوقت الذي تعاني فيه قاعدتها الاستهلاكية من ضعف، وهذا ما يجعل اقتصاد البلاد أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية مثل الحروب التجارية.
سيناريو الحرب التجارية الشاملة
ويؤكد الحسن أنه في حال انزلقت العلاقة الاقتصادية بين واشنطن وبكين نحو حرب تجارية شاملة، فإننا سنكون أمام سيناريو كارثي ليس فقط على مستوى البلدين، بل على الاقتصاد العالمي برمته، فالحرب التجارية الشاملة ستكون أشبه بـ"زلزال اقتصادي"، ستنعكس نتائجه على الاستقرار المالي، وسوق العمل، وأسعار الطاقة في العالم أجمع، ولن يخرج أحد منتصراً، بل سيكون الجميع خاسراً ولو بدرجات متفاوتة.