هل تستطيع بوينغ تجاوز أزماتها؟
07:14 - 02 أبريل 2025تواجه شركة بوينغ منعطفاً حاسماً في مسيرتها، بعد سلسلة من التحديات التي هزت مكانتها في صناعة الطيران والدفاع. فمن الإضرابات العمالية التي أضرت بإنتاجها، إلى القضايا القانونية التي أُعيد فتحها بشأن حوادث طائرات 737 ماكس، ظلت الشركة في دائرة الأزمات، مما انعكس سلباً على ثقة المستثمرين وأداء أسهمها في الأسواق المالية.
يأتي العقد الجديد، الذي منحته الإدارة الأميركية لبوينغ ليمنحها فرصة ذهبية لإعادة تموضعها في قطاع الصناعات الدفاعية. فتصنيع المقاتلة المتطورة F-47، التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها "الأكثر فتكاً على الإطلاق"، وبينما يعزز فقط قدرات الجيش الأميركي، فإنه في الوقت نفسه يرسخ أيضاً موقع بوينغ كمنافس رئيسي في سوق الطائرات القتالية، خاصة أمام غريمتها التقليدية لوكهيد مارتن.
ورغم تلك الخطوة الإيجابية في مسار الشركة التي عانت سلسلة متصلة من المشكلات، إلا أن المحللين يتبنون تفاؤلاً حذراً، حيث ستعتمد قدرة الشركة على تحويل هذه الفرصة إلى نقطة انطلاق فعلية على مدى نجاحها في تنفيذ العقد بكفاءة ودقة، فضلاً عن إدارتها للتحديات التشغيلية والقانونية التي لا تزال تلقي بظلالها على مستقبلها.
- كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد منح شركة بوينغ عقداً بمليارات الدولارات لبناء الطائرة المقاتلة الأكثر تقدماً في القوات الجوية الأميركية.
- وصف ترامب الطائرة الشبحية عالية السرعة، التي أطلق عليها اسم إف-47، بأنها "الطائرة الأكثر فتكاً على الإطلاق".
- أعلن ترامب في البيت الأبيض أن الطائرة الجديدة ستحل محل طائرة إف-22 التي تنتجها شركة لوكهيد مارتن.
- يشير تقرير لـ "بي بي سي" إلى أن صفقة بوينع تمثل هزيمة لمنافستها شركة لوكهيد مارتن، التي تم إقصاؤها مؤخراً من منافسة منفصلة لبناء طائرة من الجيل التالي للبحرية الأميركية.
وتقول صحيفة "الغارديان" البريطانية إنه بالنسبة لشركة بوينغ، يُمثل هذا الفوز نقلة نوعية في مسيرتها، بعد أن عانت من صعوبات في قطاعيها التجاري والدفاعي. كما يُمثل دفعة قوية لأعمالها في إنتاج الطائرات المقاتلة.
ويشير التقرير إلى أن العمليات التجارية لشركة بوينغ كانت قد واجهت صعوبات في محاولتها استعادة إنتاج طائراتها الأكثر مبيعا من طراز 737 ماكس إلى أقصى سرعة، في حين تأثرت عملياتها الدفاعية بالعقود ضعيفة الأداء لطائرات التزود بالوقود في الجو والطائرات بدون طيار وطائرات التدريب.
فرصة حقيقية
من جانبه، يقول خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- هذا العقد يمثل "فرصة حقيقية" أمام شركة بوينغ بعد فترة طويلة من الأداء السلبي، نتيجة للاضطرابات العمالية التي واجهتها الشركة خلال العام 2024، والتي أثرت بشكل كبير على نتائج أعمالها. إلا أن تمكن الشركة من التوصل إلى اتفاق مع العمال يُعد خطوة مهمة نحو تجاوز تلك التحديات.
- العقد لا يُعد بمثابة نقلة نوعية مباشرة، لكنه بلا شك يمثل فرصة حقيقية لبوينغ للقيام بهذه النقلة والبناء عليها، إذا ما أُحسن استغلالها.
- شهد سهم الشركة أداءً جيداً نسبياً بعد الإعلان عن العقد، لكنه تراجع لاحقاً.. الحكم الحقيقي سيعتمد على قدرة الشركة في تنفيذ هذا المشروع بكفاءة ودقة.. وبالتالي المحافظة على زخم الارتفاع.
ويضيف: نحن نتحدث هنا عن قطاع حساس ومهم، وهو قطاع الدفاع. وقد ظهر تأثير هذا العقد بوضوح على سعر سهم بوينغ مقارنة بباقي الشركات العاملة في مجال الدفاع والتسليح (لا سيما منافستها لوكهيد مارتن). وعليه، فإن تنفيذ هذا العقد بنجاح، وفقاً للمعايير والمواعيد المتفق عليها، قد يمثل نقطة تحول في نتائج أعمال الشركة.
ويلفت سعيد أيضاً في سياق متصل، إلى أن صناعة الدفاع الأميركية تمر حالياً بمفترق طرق، في ظل التوترات في العلاقات الدفاعية مع بعض حلفائها الرئيسيين في حلف الناتو. وبوينغ، كونها من أبرز الشركات المصنعة للطائرات، فإن نجاحها في هذا المشروع سيُحدث فارقاً كبيراً في مستقبلها، وقد يمثل انطلاقة جديدة للشركة نحو تحقيق أداء مالي وتشغيلي أقوى خلال السنوات المقبلة.
تفاؤل حذر
ويعتقد محللون بأنه "ينبغي على المستثمرين الاستمرار في توخي الحذر عندما يتعلق الأمر بشركة بوينغ" وهو الرأي الذي يتبناه أري والد من شركة أوبنهايمر، حسب تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية اطلع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" عليه.
كانت أسهم الشركة قد ارتفعت بنسبة 3 بالمئة في نفس يوم الإعلان عن فوزها بعقد طائرات مقاتلة بمليارات الدولارات من البيت الأبيض، متفوقةً على منافستها لوكهيد مارتن، وأنهى السهم الأسبوع ذاته مرتفعاً بنسبة 10 بالمئة بعد أن صرّح المدير المالي، برايان ويست، للمستثمرين في مؤتمر لبنك أوف أميركا بأن استهلاك بوينغ للسيولة النقدية سينخفض هذا الربع. لكنه تراجع في الأسبوع التالي.
وتراجعت أسهم الشركة خلال الأسبوع الأخيرة في وول ستريت بنحو 2.5 بالمئة. كما سجلت خسائر شهرية بنسبة 0.76 بالمئة. فيما تظل الأسهم منخفضة منذ بداية العام بنحو 2 بالمئة.
ورفعت شركة ميليوس للأبحاث يوم الاثنين الماضي تصنيف سهم بوينغ إلى "شراء"، مشيرةً إلى "فترة من الأخبار الإيجابية" التي قد تُعزز السهم. ورغم ذلك، حذر والد من أنه لا يزال يتجنب السهم عند مستوياته الحالية، ويُبدي شكوكه في مدى محافظة السهم على الارتفاع على المدى الطويل.
ويلفت إلى سيناريو مماثل، ذلك أن السهم شهد تحركاً صعودياً بعد هبوط طويل في 2022، لكن في ذلك الوقت، كانت الأسواق مدعومة بدورة صعودية جديدة، مضيفاً: "لست متأكدًا من إمكانية استمرار هذا الزخم في ظل ما نراه من دورة سوق صاعدة في مراحل لاحقة.. وإذا انحسر تيار السوق، أعتقد بأن بوينغ ستنضم إليه".
وتراجعت القيمة السوقية للشركة بنسبة 14.26 بالمئة في العام 2024، وفق بيانات companiesmarketcap، مقارنة مع ارتفاع بنسبة 38.9 بالمئة في 2023.
دفعة قوية
بدوره، يشير خبير العلاقات الاقتصادية الدولي، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن حصول شركة بوينغ على عقد تصنيع المقاتلة المتطورة F-47 من سلاح الجو الأميركي يمثل دفعة قوية للشركة بعد سلسلة من التحديات التي واجهتها في قطاعيها التجاري والدفاعي، مشدداً على أن هذا الفوز أسهم بشكل مباشر في ارتفاع أسهم بوينغ في معظم شهر مارس، مع تراجع أسهم منافستها لوكهيد مارتن، مما يعكس تأثير هذا العقد على توازنات السوق الدفاعية.
ويشير إلى أن قيمة العقد، التي تتجاوز 20 مليار دولار، قد تمهد الطريق لطلبات مستقبلية بمئات المليارات خلال العقود المقبلة، مما يعزز من استقرار بوينغ المالي ويعيد ثقة المستثمرين بها، مضيفاً: تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول أهمية هذا العقد تؤكد أنه لا يخدم فقط تعزيز قدرات سلاح الجو الأميركي، بل يسهم أيضاً في دعم موقع بوينغ الاستراتيجي في صناعة الطيران والدفاع عالمياً.
كما يلفت الخفاجي في الوقت نفسه إلى أن اهتمام حلفاء الولايات المتحدة بالمقاتلة الجديدة قد يفتح الباب واسعاً أمام فرص تصديرها، وهو ما سيؤدي بدوره إلى زيادة العائدات وتنويع الأسواق، مما يعزز من القوة التنافسية لشركة بوينغ على الساحة الدولية.
تحديات
فيما لا تزال الشركة تواجه مجموعة من التحديات القانونية. وتنتظر موعداً قضائياً حاسماً في يونيو المقبل.
- كان قاض فيدرالي أميركي، قد حدد يوم الثلاثاء الماضي، يوم 23 يونيو موعداً لبدء المحاكمة في قضية جنائية ضد الشركة، فيما يتعلق بقضية تحطّم طائرتين من طراز 737 ماكس في عامي 2018 و2019.
- جاء الأمر بعد يوم من تقرير صحيفة وول ستريت جورنال الذي أفاد بأن شركة بوينغ كانت تسعى إلى سحب اتفاق سابق للاعتراف بالذنب في خداع الجهات التنظيمية قبل تحطم طائرتين من طراز 737 ماكس.
- كان من المتوقع أن تقترح شركة بوينغ ووزارة العدل تعديلات على التسوية بحلول 11 أبريل. وذكرت الصحيفة أن أحد التغييرات المحتملة التي كانت قيد المناقشة هو ما إذا كان بإمكان بوينغ التخلي عن تعيين مراقب خارجي.
- ألغى قاضي المحكمة الجزئية الأميركية ريد أوكونور يوم الثلاثاء هذا الموعد النهائي وأمر الطرفين بالاستعداد للمثول أمام المحكمة في 23 يونيو. وكان قد رفض في وقت سابق صفقة الإقرار بالذنب المقترحة.